عشاق الأقصى

منتدى عام وشامل
 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 علم اجتماع السياسي عند ابن خلدون ج 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
طائر الهزار
المديرة العامة للمنتدى
المديرة العامة للمنتدى
avatar

انثى عدد الرسائل : 93
العمر : 31
البلد :
الجنس :
تاريخ التسجيل : 21/04/2008

مُساهمةموضوع: علم اجتماع السياسي عند ابن خلدون ج 2   الثلاثاء مايو 13, 2008 7:04 pm

ولكن هذا لا يحدث إلا في أربعة آباء. فعند الأب الرابع تضعف العصبية، ويؤدي ضعفها إلى زوال الملك والغلبة. يصف ابن خلدون ذلك، فيقول: "ثم إذا جاء الرابع، قصر عن طريقتهم جملة، وأضاع انحلال الحافظة بعناء مجدهم واحتقرها؛ وتوهم أن ذلك البنيان لم يكن بمعاناة ولا تكلف، وإنما هو أمر وجب لهم منذ أول النشأة، بمجرد انتسابهم، وليس بعصابة ولا بخلال، لما يرى من التجلة بين الناس؛ ولا يعلم كيف كان حدوثها ولا سببها؛ ويتوهم أنه النسب فقط. فيربأ بنفسه عن أهل عصبيته، ويرى الفضل له عليهم، وثوقاً بما فيه من استتباعهم، وجهلاً بما أوجب ذلك الاستتباع من الخلال، التي منها التواضع لهم، والأخذ بمجامع قلوبهم، فيحتقرهم بذلك؛ فينغصون عليه، ويحتقرونه، وبديلون منه سواه من أهل ذلك المنبت، ومن فروعه في ذلك العقب، للإذعان لعصبيتهم كما قلناه، بعد الوثوق بما يرضونه من خلاله. فتنمو فروع هذا، وتذوي فروع الأول، ويهدم بناء بيته. هذا في الملوك. وهكذا في بيوت القبائل والأمراء وأهل العصبية أجمع؛ ثم في بيوت أهل الأمصار (13)".‏
ومن هذا نرى، أن قيمة العصبية قيمة وظيفية: فهي تقوم بوظيفة الدفاع عن المجتمع البدوي، وبوظيفة دعم أصحابها في رئاسة القوم، ثم الحصول على الملك وتأسيس الدولة. وهي من هذه الناحية ذات أثر كبير في بقاء الجماعة واستمرارها من طور البداوة إلى طور الحضارة والملك.‏
جالعمران البدوي والحضري: إن حياة البادية تختلف عن حياة أهل المدن، من حيث دفع عدوان الناس بعضهم عن بعض، ضمن المجتمع الواحد، ومن حيث دفع عدوان الناس الذين خارج المجتمع عن أولئك الذين هم داخله.‏
أما عدوان الناس بعضهم على بعض، داخل المدينة، فيدفعه الحكام وأصحاب السلطان، في حين أن عدوانهم بعضهم على بعض داخل القبيلة أو العشيرة، إنما يدفعه مشايخ البدو وكبراؤهم. وفي الحين الذي يلجا الحكام إلى القهر والسلطان، لدفع ظلم فئة من الناس لفئة أخرى، يلجأ مشايخ البدو وكبراؤهم إلى ما لهم من تجلة ووقار في نفوس أفراد قبائلهم أو عشائرهم، لبلوغ هذه الغاية. يصف ابن خلدون ذلك فيقول:‏
"فأما المدن والأمصار، فعدوان بعضهم على بعض تدفعه الحكام والدولة بما قبضوا على أيدي من تحتهم من الكافة، أن يمتد بعضهم على بعض، أو يعدو عليه. فإنهم مكبوحون بحكمة القهر والسلطان عن التظالم، إلا إذا كان من الحاكم بنفسه. وأما العدوان الذي من خارج المدينة، فيدفعه سياج الأسوار عند الغفلة أو الغرة بنفسه. وأما العجز عن المقاومة نهاراً: أو يدفعه ذياد الحامية من أعوان الدولة عند الاستعداد والمقاومة. وأما أحياء البدو فيزع بعضهم عن بعض مشايخهم وكبراؤهم، بما وقر في نفوس الكافة لهم من الوقار والتجلة. وأما حللهم فإنما يذود عنها من خارج حامية الحي من أنجادهم وفتيانهم المعروفين بالشجاعة فيهم. ولا يصدق دفاعهم وذيارهم إلا إذا كانوا عصبية وأهل نسب واحد: لأنهم بذلك تشتد شوكتهم ويخشى جانبهم؛ إذ نعرة كل أحد على نسبه وعصبيته أهم (14)".‏
بيد أن العصبية التي تبدو تجلة ووقاراً داخل المجتمع البدوي، تسفر عن وجهها أتم الإسفار، إذا كان العدوان آتياً من خارج المجتمع؛ وبهذا يختلف المجتمع البدوي عن المجتمع الحضري أتم الاختلاف.‏
وخلافاً لذلك، فإن من لا عصبية لهم لا يمكنهم سكنى البادية؛ لأن الملمات حينما تلم بها، لا يجدون من يساعدهم على دفعها عنهم؛ وليس بإمكانهم أن يعتمدوا على أي شخص فيها. يصفهم ابن خلدون فيقول: "وأما المتفردون في أنسابهم، فقلَّ أن تصيب أحداً منهم نعرة على صاحبه. فإذا أظلم الجو بالشر يوم الحرب، تسلل كل واحد منهم يبغي النجاة لنفسه؛ خيفة واستيحاشاً من التخاذل، فلا يقدرون من أجل ذلك على سكنى القفر؛ لما أنهم حينئذ طعمة لمن يلتهمهم من الأمم سواهم (15)".‏
3-العصبية والدولة والعمران‏
(1)العمران والرئاسة: وهكذا نجد أن السلطة والدولة يسبقان قيام الحضارة واختطاط المدن لدى ابن خلدون. وبهذا الصدد يقول: "إن الدول أقدم من المدن والأمصار؛ وإنها إنما توجد ثانية عن الملك؛ وبيانه أن البناء واختطاط المنازل إنما هو من منازع الحضارة التي يدعو إليها الترف والدعة. وذلك متأخر عن البداوة ومنازعها. وأيضاً فالمدن والأمصار ذات هياكل وأجرام عظيمة وبناء كبير؛ وهي موضوعة للعموم لا للخصوص؛ فتحتاج إلى اجتماع الأيدي وكثرة التعاون؛ وليست من الأمور الضرورية للناس التي تعم بها البلوى، حتى يكون نزوعهم إليها اضطراراً؛ بل لا بد من إكراههم على ذلك، وسوقهم إليه مضطهدين بعصا الملك، أو مرغبين في الثواب والأجر، الذي لا يفي بكثرته إلا الملك والدولة؛ فلا بد في تمصير الأمصار، واختطاط المدن، من الدولة والملك (16)".‏
وهذا يعني، أن الرئاسة ليست مرتبطة ضرورة بالدولة التي هي نتاج حضاري: بل قد سبقها، كما هي الحال بالنسبة إلى حياة البداوة في سبقها لحياة الحضارة؛ إذ إن العصبية هي لحمة الرئاسة وسداها. يقول ابن خلدون شارحاً ذلك: "إن كل حي أو بطن من القبائل، وإن كانوا عصابة واحدة لنسبهم العام، ففيهم أيضاً عصبيات أخرى لأنساب خاصة هي أشد التحاماً من النسب العام لهم، مثل عشير واحد، أو أهل بيت واحد، أو أخوة بني أب واحد؛ لا مثل بني العم الأقربين أو الأبعدين. فهؤلاء أقعد بنسهبم المخصوص، ويشاركون من سواهم من العصائب في النسب العام. والنعرة تقع من أهل نسبهم المخصوص ومن أهل النسب العام؛ إلا أنها في النسب الخاص أشد، لقرب اللحمة. والرياسة فيهم إنما تكون في نصاب واحد منهم، ولا تكون في الكل (17)".‏
والرئاسة في رأي ابن خلدون تقوم بوظيفة هامة في المجتمع؛ إذ إن مهمتها الأساسية هي إيجاد التكافؤ بين العناصر المختلفة، بتغلبها عليها جميعاً: إنها بمثابة المزاج في المتكون الذي لا بد من طغيان أحد عناصره على العناصر الأخرى. وبهذا الصدد يقول ابن خلدون: "لأن الاجتماع والعصبية بمثابة المزاج في المتكون؛ والمزاج في المتكون لا يصلح إذا تكافأت العناصر؛ فلا بد من غلبة أحدها وإلا لم يتم التكوين. فهذا هو سر اشتراط الغلب في العصبية؛ ومنه يقين استمرار الرياسة في النصاب المخصوص بها (18)".‏
أما أولئك الذي لا أنساب لهم، ولا عصبية تتأتى عن هذه الأنساب، فلا يمكن لهم أن يصبحوا من ذوي الرئاسة؛ لأن هذه إنما تكون لذوي الغلب كما قلنا. ومع ذلك، فإن الزمان قد يعفي على أصل أنساب اللصقاء واللزقاء، ويسلم إليهم رئاسة القبيلة أو البطن أو الحي. لكن ذلك لا يكون إلا إذا اندمجوا في إحدى العصبيات، وأصبحوا من ذويها وأهلها. يقول ابن خلدون شارحاً رأيه في ذلك: "والساقط في نسبهم بالجملة، لا تكون له عصبية فيهم بالنسب؛ إنما هو ملصق لزيق؛ وغاية التعصب له بالولاء والحلف. وذلك لا يوجب له غلباً عليه البتة. وإذا فرضنا أنه قد التحم بهم واختلط، وتنوسي عهده الأول من الالتصاق، ولبس جلدتم، ودعي بنسبهم، فكيف له الرياسة قبل هذا الالتحام، أو لأحد من سلفه؟ (19)".‏
وهذا يرينا إلى أي حد تعمل العصبية في تعضيد الرئاسة والحفاظ على استمرارها.‏
(2)الرئاسة والملك: يفرق ابن خلدون بين الرئاسة والملك؛وتفريقه بينهما قائم على التفريق بين نوعين من الغلب، أحدهما خاص بالرئاسة، والثاني خاص بالملك. وهو يرى أن التغلب في الرئاسة سؤدد يؤدي بصاحبه إلى أن يكون متبوعاً دون أن يكون له قهر في أحكامه يلزم الناس له إلزاماً؛ في حين أن التغلب في الملك هو الحكم بالقهر وإلزام الناس بهذا الحكم. ومن هنا كان الحكم بالقهر هو الذي يزيد به الملك على الرئاسة (20).‏
وإذا كانت الرئاسة نتيجة العصبية، كان الملك نتيجة لها أيضاً؛ ولكن بدرجة أعلى من درجة الرئاسة. بيد أن الانتقال من الدرجة الأولى إلى الدرجة الثانية أمر تقتضيه طبيعة النفس الإنسانية، إذ النفس مولعة بفرض سلطانها على الآخرين من ناحية، وهي كلما بلغت في أحد الأمور رتبة، صبت إلى الرتبة التي تليها فيه، من ناحية أخرى. لكنها تظل عاجزة عن بلوغ ذلك بذاتها، ولا يتم اقتدارها عليه إلا بالعصبية التي تبلغ غايتها بالتغلب الملكي (21).‏
ومتى لجأ صاحب العصبية إلى استتباع العصبيات الأخرى بالقوة والقهر، جعلها تلتحم في عصبيته، وتصير وإياها عصيبه واحدة كبيرة. وفي هذه الحال، يدفع عن هذه العصبيات الافتراق المفضي إلى التنازع والتخاصم.‏
بيد أن منطق العصبية لا يقف عند هذا الحد: بل يتابع نتائجه إلى أقصى حدودها: فلا يكاد صاحب العصبية يتغلب بعصبيته على قومه، حتى يلقي بأنظاره إلى أهل العصبيات الأخرى البعيدة عن عصبيته. فإذا كانت العصبيتان متكافئتين، لم تستطع إحداهما التغلب على الأخرى؛ وظلت كل منهما باسطة يدها على قومها، فانعة إلى حين بمكانتها. أما إذا كانت إحداهما أقوى من الأخرى، فإنها تغلبها وتستتبعها وتلتحم بها: لتكون العصبيتان معاً عصبية واحدة أوسع نفوذاً، وأشد باسا. ثم لا تلبث بعد ذلك، أن تتطلع إلى العصبيات الأخرى. وهكذا تظل دائماً، حتى تكافئ بقوتها قوة الدولة.‏
وعندما تصل العصبية إلى هذا الحد من القوة، تكون بإزاء احتمالين: فهي إما أن تدرك الدولة في هرمها، وأما أن تدركها وهي ما زالت في قوتها؛ وهي بحاجة إلى الاستظهار بأهل العصبيات. في الحالة الأولى تستولي العصبية النامية على الدولة، وينتزع صاحبها الأمر من أيدي أصحابه؛ ويصبح الملك كله لهذه العصبية وصاحبها. أما في الحالة الثانية، فإن الدولة ذاتها لا تلبث أن تنتظم هذه العصبية في أوليائها، تستظهر بها على أعدائها، تستخدمها في تحقيق مقاصدها (22).‏
ولكن، هل يمكن لهذه العصبية المستتبعة على هذا النحو، أن تنتظر مدة من الزمن –وهي قلب الدولة –لكي تستولي على الملك فيما بعد؟ يرى ابن خلدون أن هم أهل العصبية –ليأسهم من انتزاع الحكم –تنصرف إلى تحصيل الكسب والانغماس في النعيم، والجنوح إلى الدعة والسكون؛ وفي ذلك كسر لحدة عصبيتهم. والحقيقة، أن خصب العيش، والتأنق في المظاهر جميعاً، والاستكثار من الكماليات، لا تلبث أن تذهب بخشونة بداوتهم، وتضعف من بسالتهم، وتودي بأواصر عصبيتهم. ويأتي بنوهم على أعقابهم، ويذهبون إلى ما ذهب إليه آباؤهم شوطاً بعيداً؛ فتنقرض بذلك عصبيتهم تماماً، بعد أن تناولها الضعف لدى آبائهم. وحينذاك يصبح هذا حائلاً دون بلوغ الملك، الذي هو غاية العصبية (23).‏
(3)العصبية والدولة: مما تقدم يمكننا أن نرى، إن العصبية في أصل الدولة. ولكن هذا لا يعني أن يكون من المحتوم على العصبية أن تستمر باستمرار الدولة: إذ أن النفوس يصعب عليها الانقياد للدولة العامة في أول قيامها؛ ولا يكون هذا الانقياد إلا بقوة عظيمة من الغلب والقهر. ولكن، لا تكاد تنقضي حقبة معينة من الزمن، حتى تستقر أمور الدولة، وتستقر الرئاسة معها في أهل النصاب المخصوص بالملك، وتصبح حقاً لهم ولأولادهم وأحفادهم من بعدهم؛ فيتوارثونها ويتوارثون الملك بتوارثها، واحداً بعد واحد. وعندئذ ينسى الناس شأن الأولية، وتستحكم الرئاسة لأهل ذلك النصاب، ويرسخ في العقائد دين الانقياد لهم، والتسليم بغلبتهم وحكمهم؛ ويقاتل الناس معهم على أمرهم، قتالهم على العقائد الإيمانية؛ فلا يحتاجون من بعد إلى كبير عصابة في أمرهم (24).‏
في هذا الدور تخمد ثورة العصبية، وتنكسر حدتها، ويلجأ أصحاب الملك إلى الموالي والمصطنعين يستظهرون بهم حيناً، وإلى العصائب الخارجين على نسبها، الداخلين في ولايتها حيناً آخر. وبذلك تستقر الدولة، ويستتب الأمر لأصحاب الملك؛ فيصبحون هم المرموقين من سائر الناس؛ ويتخذون قدوة في كل شيء (25).‏
بيد أن استقرار الأمور في أيدي فئة من الناس، يجعلهم في مكان المتفوقين الغالبين؛ ويصبح مكانهم هذا معترفاً به في الغالبية العظمى من الفئات الأخرى. وهذا يعني، أن التغلب كف عن أن يكون تغلباً من الخارج، وأصبح تغلباً يغزو النفوس من الداخل؛ ويزين للمغلوبين كل ما لدى الغالب من عوائد ومذاهب. وهذا يؤدي إلى تشبه المغلوب دائماً بالغالب؛ فيقلده في ملبسه ومركبه وسلاحه؛ ولا يقتصر تقليده هذا على اتخاذ ما يتخذه الغالب منها؛ بل يتعدى ذلك إلى أنواعها وأشكالها وسائر صفاتها (26). ويعلل ابن خلدون ذلك قائلاً: "والسبب في ذلك، أن النفس تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه. إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب. فإذا غالطت بذلك، واتصل لها، حصل اعتقاداً؛ فانتحلت جميع مذاهب الغالب، وتشبهت به؛ وذلك هو الاقتداء (27)".‏
4-نطاق للدولة وعمرها‏
ولكن الدولة امتداداً معيناً في المكان والزمان؛ لأن لها حدوداً تتسع أو تضيق بحسب قوتها؛ وأجيالاً معينة تمر بها وتحتفظ لنفسها بها بالاستمرار. وسنحاول في الصفحات التالية أن نبينها.‏
(1)نطاق الدولة: إن لكل دولة نطاقاً معيناً يبلغ أقصى اتساعه؛ لكي يأخذ بالتضايق شيئاً فشيئاً، حتى يصل إلى غاية اضمحلاله.‏
آ-اتساع الدولة: يرى ابن خلدون أن الدولة تستمر آخذة في الاتساع، إلى أن تبلغ غاية محدودة تقف عندها، ولا تستطيع تجاوزها. وهو يعلل ذلك؛ بأن عصابة الدولة تكون محدودة، وقوتها من ثمة محدودة؛ فيقول: "والسبب في ذلك، أن عصابة الدولة وقومها القائمين بها، الممهدين لها، لا بد من توزيعهم خصيصاً على الممالك والثغور التي تصير إليهم، ويستولون عليها، لحمايتها من العدو، وإمضاء أحكام الدولة فيها، من جباية وردع وغير ذلك، فإذا توزعت العصائب كلها على الثغور والممالك، فلا بد من نفاذ عددها؛ وقد بلغت الممالك حينئذ إلى حد يكون ثغراً للدولة، وتخماً لوطنها، ونطاقاً لمركز ملكها. فإن تكلفت الدولة بعد ذلك، زيادة على ما بيدها، بقي دون حامية، وكان موضعاً لانتهاز الفرصة من العدو المجاور (28)".‏
أما إذا كانت عصابة الدولة ما تزال موفورة، فيمكن استخدامها في فتوح جديدة، واستعمالها على ثغور ونواح جديدة، نتيجة هذه الفتوح. وهذا يعني، أنه ما دام لدى الدولة قوة على تجاوز حدودها، وعلى حماية مكتسباتها، فإنها تظل تفسح من نطاقها، إلى أن تصل إلى غايتها. حتى إذا انتهت إلى النطاق الذي هو الغاية، عجزت وأقصرت عما وراءه، شأن الأشعة والأنوار إذا انبعثت من المراكز والدوائر المنفسحة على سطح الماء، من النقر عليه (29).‏
ومن هنا كان اختلاف اتساع نطاق الدول عائداً إلى اختلاف عدد عصاباتهم: فالدولة التي تكون عصابتها أكثر، يكون اتساع نطاقها أبعد؛ وعلى نسبة العدد تكون نسبة الاتساع، يقول ابن خلدون: "وأهل العصبية هم الحامية الذين ينزلون بممالك الدولة وأقطارها؛ وينقسمون عليها؛ فما كان من الدولة العامة قبيلها وأهل عصابتها أكثر، كانت أقوى وأكثر ممالك وأوطاناً؛ وكان ملكها أوسع لذلك (30) "ومن هذه النسبة في أعداد المتغلبين لأول الملك، يكون اتساع الدولة وقوتها (31)".‏
بيد أن اتساع الدولة لا يتوقف على هذا العامل فقط؛ بل يتعداه إلى عامل آخر هو امتداد له. وهذا يعني، أن أهل العصبية إذا استولوا على الملك، أتيحت لهم سعة في العيش لم يكونوا يعرفونها؛ فأدى ذلك إلى كثرة تناسلهم، وازدياد عصاباتهم التي يمكن استخدامها في حماية الثغور والنواحي (32). وعلى هذا النحو، تزداد الدولة نمواً على نمو، واتساعاً على اتساع، حتى تستنفذ طاقاتها جميعاً، وتقف عند حدود لا تتعداها.‏
ب-تضايق الدولة واضمحلالها: بيد أن اتساع الدولة يظل في الأعم الأغلب تابعاً لدور البداوة؛ في حين أن بدء توقف هذا الاتساع، ثم تضايقه فيما بعد، يرجع دور الحضارة، حينما يبالغ الناس في انغماسهم في الترف والنعيم. وابن خلدون يشرح ذلك قائلاً: "وهذا كله حينما تكون الدولة في شعار البداوة وخشونة البأس. فإذا استفحل العز والغلب، وتوافرت النعم والأرزاق بدور الجبايات، وزخر بحر الترف والحضارة، ونشأت الأجيال على اعتياد ذلك لطفت أخلاق الحامية، ورقت حواشيهم، وعاد من ذلك إلى نفوسهم هيئات الجبن والكسل، بما يعانونه من خنث الحضارة المؤدي إلى الانسلاخ من شعار البأس والرجولية، بمفارقة البداوة وخشونتها، وبأخذهم العز بالتطاول إلى الرياسة والتنازع عليها (33)".‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابومازن
المراقب العام
المراقب العام
avatar

ذكر عدد الرسائل : 457
العمر : 29
البلد :
الجنس :
تاريخ التسجيل : 09/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: علم اجتماع السياسي عند ابن خلدون ج 2   الثلاثاء يوليو 29, 2008 6:57 am

جزاك الله كل خير يا اختي طائر الهزار
وجعل هذا العمل في ميزان حسناتك يا اكرم الاكرمين
اخوكي ابو مازن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابومازن
المراقب العام
المراقب العام
avatar

ذكر عدد الرسائل : 457
العمر : 29
البلد :
الجنس :
تاريخ التسجيل : 09/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: علم اجتماع السياسي عند ابن خلدون ج 2   الثلاثاء يوليو 29, 2008 7:14 am

مشكوره كثير والله اختي الكريمه طائر الهزار
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابومازن
المراقب العام
المراقب العام
avatar

ذكر عدد الرسائل : 457
العمر : 29
البلد :
الجنس :
تاريخ التسجيل : 09/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: علم اجتماع السياسي عند ابن خلدون ج 2   الثلاثاء يوليو 29, 2008 7:17 am

بارك الله فيكي علي هذا الموضوع الرائع طائر الهزار اخوكي ابو مازن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
علم اجتماع السياسي عند ابن خلدون ج 2
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
عشاق الأقصى :: قسم العلوم الانسانية والتنمية البشرية :: منتدى علم الاجتماع-
انتقل الى: